Post by Mohammed Amous
Artist \Consultant\Trainer
من افتتاح معرض "ستي ودناديشها" بدعم من مؤسسة عبد المحسن القطان ضمن منحة تحولات Qattan Foundation بالشراكة مع حوش الفن الفلسطيني PalestinianArtCourt-AlHoash بإدارة: ستوديو ذات الفنانين و الفنانات المشتركين: Rawan Bazbazat Nour Qaimari نِيار Niyar TalaSandouka جسيكا عزيزة Jessica Azizeh Mohammed Amous قيمة المعرض: Manar S. Idrissi تنفيذ اعمال التركيب و الإعداد الفني: Giovanni Facouseh تصميم اللغة البصرية: NADEEM | نديم نص جداري لطالما عرفت النساء كيف يصنعن الذاكرة بأيديهن. كما حاكَت المرأة الفلسطينية الثوب غرزةً غرزة، وزرعت في تطريزه خرائطَ المكان وأسماء القرى وأثرَ المواسم، حملت الحُلي أيضًا بوصفها ذاكرةً تُلبَس: ملكيةً تُصان، ورمزًا للحماية والفرح، ووعدًا صغيرًا بالاستمرار. لم تكن الحُلي مجرد لمعانٍ على الجسد، بل لغةً خفيّة تُقرأ في التفاصيل: في وزن الفضة، في رنينها حين تمشي، في قطعةٍ تُهدى، وأخرى تُورَّث، وثالثةٍ تُخفى في زمن الخوف لتنجو. كانت النساء يعرفن أن الأشياء لا تعيش بقيمتها المادية وحدها، بل بما تختزنه من حكاياتٍ وأثرٍ ودفء يدٍ مرّت عليها. لكن صياغة المعدن—طويلًا—بقيت في فضاءات السوق والورشة، حيث كانت الحرفة تُدار بعيدًا عن حكايات النساء، كأن اليد التي تحمل القطعة ليست هي اليد التي يحق لها أن تصنعها. واليوم، تعود الصياغة إلى يد النساء: لا لتكرار ما كان، بل لإعادة كتابة المعنى. هنا، تظهر الحفيدات وهنّ ينظرن إلى دناديش الجدّات لا بوصفها “قديمًا” يجب حفظه في صندوق، بل كنصّ حيّ قابل لأن يُقرأ من جديد. تُفكّك الحفيدة السلسلة، تُعيد ترتيب العملات، تُخفّف الوزن، تُبدّل طريقة التعليق، وتمنح القطعة لغةً جديدة—لغةً تناسب الزمن دون أن تقطع الخيط الذي يربطها بالأصل. فالقطعة التي كانت تُورَّث… أصبحت أيضًا تُبتكَر. إنها ليست قطيعة مع الماضي، بل مصالحة معه: أن يبقى أثر الجدّات حاضرًا، لكن على جسدٍ جديد، وفي يومٍ جديد، وبأسئلة جديدة. وكما كان الثوب دفترًا مفتوحًا على الجسد، تصبح الحُلي اليوم صفحةً تُكتب بالفضة: ذاكرةٌ تُصاغ، ومعنىً يُعاد خلقه، ويدٌ تقول إن التراث ليس ما نحتفظ به فقط، بل ما نواصل صنعه ولم تقتصر الحكاية على المعدن وحده، بل امتدّت إلى موادٍ أكثر تواضعًا، وأكثر قربًا من الأرض. هناك، حيث تُلامس الأيدي الصلصال والقش، تواصل الحرفيات تشكيل الذاكرة بطريقةٍ أخرى: أكثر ليونة، وأكثر التصاقًا بالحياة اليومية. تُعجن التربة كما تُعجن الحكايات، وتُنسَج سيقان القش كما تُنسَج الأيام، لتخرج أعمالٌ ليست للزينة فحسب، بل للبحث أيضًا—بحثٌ في الشكل، في الوظيفة، وفي معنى أن تُعيد المرأة بناء علاقتها مع ما حولها. في هذه الممارسات، لا تكون القطعة نتيجةً نهائية، بل سؤالًا مفتوحًا: كيف يمكن للمادة البسيطة أن تحمل كل هذا الأثر؟ كيف يتحوّل القش إلى أرشيفٍ حيّ، والصلصال إلى ذاكرةٍ قابلة للمسّ؟ هنا، تصبح الحرفة فعل معرفة، وتجربة حسّية تُعيد قراءة التراث لا بوصفه ماضيًا ثابتًا، بل كمساحةٍ حيّة للتجريب والاكتشاف. ومن يفهم النساء غير النساء؟ هنّ يعرفن كيف تتحول القطعة من زينة إلى حماية، ومن قيمة إلى كرامة، ومن معدن إلى حكاية. وهن لا يُشكّلن الأشياء فقط، بل يُشكّلن طرقًا جديدة للفهم—حيث تمتزج اليد بالفكرة، والمادة بالسؤال، ليبقى التراث في حالة تشكّلٍ دائم، كما لو أنه يُولد من جديد في كل مرة. وهنّ وحدهنّ يعرفن أن ما يُورَّث ليس الشيء فحسب… بل الشعور الذي يسكنه.