Post by Mohamed Alagad

‏مدير‏ في ‏Consultant ‏

مكر التاريخ" (Cunning of Reason / List der Vernunft) هو مفهوم صاغه الفيلسوف الألماني الشهير هيغل (Hegel)، وتستخدمه الأدبيات والتحليلات السياسية الغربية لتفسير المفارقات التي تأتي بنتائج عكسية تماماً لما خططت له القوى المهيمنة. في سياق المقارنة بين معبر رفح ومضيق هرمز (أو الممرات المائية عموماً)، يتجلى "مكر التاريخ" في المنظور الغربي والنقدي عبر المفارقات التالية: 1. مكر الأمن: "الحصار الذي خلق التهديد الأكبر" التخطيط الغربي والإسرائيلي: كان الهدف من حصار غزة عبر إغلاق معبر رفح والمنافذ الأخرى هو خنق الفصائل، وعزل القطاع، وتحييد أي خطر، وجعل القضية الفلسطينية أزمة إنسانية محلية منسية. مكر التاريخ: هذا الخنق الطويل والانسداد الكامل أدى إلى انفجار الصراع وتدويله (خاصة بعد أحداث 2023-2024 وما بعدها). وبدلاً من عزل غزة، تمدد الصراع ليصيب العصب الحساس للنظام الرأسمالي الغربي في مضيق هرمز وباب المندب. التاريخ هنا "مَكَرَ" بالصانع؛ فالحصار الذي أُريد منه تأمين إسرائيل، تسبب في أكبر تهديد لأمن الطاقة والاقتصاد الغربي المعولم. 2. مكر القوة: "سلاح العاجز ضد تكنولوجيا الأساطيل" الاعتقاد الغربي: تعتقد القوى الغربية أن هيمنتها العسكرية التكنولوجية، وبناء التحالفات البحرية الضخمة (مثل تحالفات حماية الملاحة) [1.1.8، 1.2.8]، كفيلة بفرض إرادتها السياسية وإبقاء المعابر مغلقة أو مفتوحة وفقاً لمصالحها. مكر التاريخ: تكتشف القوى الكبرى أن فصائل أو دولاً إقليمية بأدوات رخيصة وتكتيكات غير متناظرة (Asymmetric Warfare) —مثل المسيرات والصواريخ اللوجستية— قادرة على شل حركة المضائق واحتجاز السفن أو تهديدها [1.3.2، 1.3.3]. القوة المفرطة الغربية تقف عاجزة أمام خطوط ملاحة واسعة، وتتحول الأساطيل المكلفة إلى أهداف، وهو تجسيد حي لمكر التاريخ حيث تُهزم القوة المطلقة بوسائل بدائية. 3. مكر الشرعية: "سقوط السردية الأخلاقية" الهدف الغربي: لطالما سوّق الغرب لنفسه كحامٍ لـ "النظام الدولي القائم على القواعد" (Rules-based order) وحقوق الإنسان. مكر التاريخ: الصمت على حصار معبر رفح والتجويع، في مقابل الاستنفار العسكري لحماية النفط في مضيق هرمز وباب المندب [1.1.4، 1.1.8]، عرّى هذه السردية تماماً أمام العالم. مكر التاريخ جعل الأدوات التي استخدمها الغرب لشرعنة هيمنته (القانون الدولي والمبادئ الإنسانية) تتحول إلى أدوات إدانة ضده، مما سرّع من صعود نظام عالمي متعدد الأقطاب وفقدان الغرب لجنوبه العالمي. الخلاصة الفلسفية: إذا كانت المنظومة الدعوية الشرقية تصف الأمر بـ "عقوبة الخذلان الربانية"، فإن الفلسفة السياسية الغربية تصفه بـ "مكر التاريخ الهيغلي". كلا المفهومين، برغم اختلاف منطلقاتهما (الأول غيبي إيماني والثاني فلسفي مادي)، يلتقيان عند حتمية واحدة: "الظلم والحصار في نقطة جغرافية صغيرة (مثل معبر رفح)، لا يمكن للوضع الدولي أن يتجاهله دون أن يدفع الثمن في أكثر نقاطه حيوية وأهمية (مثل مضيق هرمز)". إذا كنت مهتماً بربط الفلسفة بالواقع الحالي، فهل ترغب في استكشاف: كيف يناقش الفلاسفة الغربيون المعاصرون (مثل سلافوي جيجك أو تشومسكي) هذا التناقض الأخلاقي؟ ما هي السيناريوهات المتوقعة إذا استمر هذا الانسداد السياسي والتصعيد في المضائق على الاقتصاد العالمي؟