Post by Yassir M.Salih
Digital Transformation & Enterprise Architecture Consultant | Qiyas Readiness | Governance | NORA | Strategy to Execution
في المقال السابق كان الحديث عن سلسلة القيمة مدخلًا لفهم كيف تتحول الاستراتيجية من فكرة عامة إلى أثر يلمسه العميل أو المستفيد فالقيمة لا تخلق في نقطة واحدة ولا تظهر فقط في نهاية رحلة الخدمة أو المنتج بل تتشكل عبر أنشطة وقرارات وسلوكيات تضيف إليها أو تهدرها لكن سؤال القيمة لا يتوقف عند أين تصنع داخل المنظمة؟ بل يمتد إلى سؤال أعمق ما نوع القيمة التي تريد المنظمة أن تعرف بها؟ وما القدرات التي تجعلها قادرة على تقديمها باستمرار؟ وهنا تظهر أهمية مفهوم “سلسلة القيمة” الذي قدمه مايكل بورتر في كتابه Competitive Advantage: Creating and Sustaining Superior Performance حيث لا ينظر إلى المنظمة ككتلة واحدة بل كمجموعة أنشطة مترابطة تصنع القيمة وكل نشاط داخلها إما أن يضيف قيمة أو يهدرها أو يزيد التكلفة دون أثر حقيقي لكن فهم القيمة لا يكتمل بالنظر إلى الأنشطة وحدها فمن زاوية مكملة يطرح C.K. Prahalad وGary Hamel في The Core Competence of the Corporation مفهوم “الكفاءات الجوهرية” حيث لا تبنى الميزة فقط من المنتجات أو الخدمات الظاهرة بل من القدرات العميقة والمعرفة المتراكمة التي يصعب تقليدها فالقيمة هنا لا تأتي مما تقدمه المنظمة فقط بل مما تجيده بعمق وبشكل مستدام أما Jay Barney في Firm Resources and Sustained Competitive Advantage فينقل النقاش إلى الموارد والقدرات موضحًا أن امتلاك الموارد لا يكفي لصناعة ميزة مستدامة ما لم تكن ذات قيمة ونادرة وصعبة التقليد وغير قابلة للاستبدال وهذا يجعل السؤال الاستراتيجي ما الذي نملكه ويصعب نسخه أو تعويضه؟ وفي سياق اختيار نوع القيمة يقدّم Treacy وWiersema في Customer Intimacy and Other Value Disciplines ثم في كتابهما The Discipline of Market Leaders فكرة أن المنظمات لا تستطيع أن تكون كل شيء لكل العملاء فهناك من يتميز بالكفاءة التشغيلية وآخر بالقرب من العميل وثالث بقيادة المنتج أو الابتكار وهنا تصبح الاستراتيجية اختيارًا واضحًا لنوع القيمة التي تريد المنظمة أن تُعرف بها وفي القطاع الحكومي يضيف Mark Moore في كتابه Creating Public Value: Strategic Management in Government بعدًا مهمًا إذ لا تُقاس القيمة العامة فقط بسرعة الخدمة أو رضا المستفيد بل بالأثر العام والمشروعية والعدالة والثقة وحسن استخدام الموارد العامة وهذا يجعلها أوسع من الكفاءة التشغيلية ومرتبطة بما تضيفه الجهة للمجتمع والمستفيدين وعند الانتقال من الاستراتيجية بوصفها اختيارات حول القيمة والتميّز والقدرات إلى الخطة الاستراتيجية بوصفها أداة لترجمة هذه الاختيارات إلى أهداف ومبادرات ومؤشرات يبرز إسهام Kaplan وNorton في The Balanced Scorecard: Measures That Drive Performance إذ لا يقتصر قياس الأداء على المؤشرات المالية أو التشغيلية بل يعكس منطق الاستراتيجية عبر أبعاد تشمل العميل والعمليات الداخلية والتعلم والنمو وهنا تتضح الفكرة الأهم القيمة لا تُدار بالشعارات ولا بمجرد وجود خطة استراتيجية بل بتحويل الاختيارات الاستراتيجية إلى أنشطة مترابطة وقدرات مؤسسية وسلوكيات يومية ونتائج قابلة للقياس فالاستراتيجية تحدد نوع القيمة وسلسلة القيمة تكشف أين تصنع والكفاءات الجوهرية والموارد النادرة تفسر لماذا تقدمها بعض المنظمات بشكل أفضل أما الخطة الاستراتيجية فتترجم ذلك إلى مسار قابل للتنفيذ والقياس والمتابعة لذلك لا يكفي أن نسأل هل لدينا خطة استراتيجية؟ بل هل لدينا استراتيجية واضحة تعرف القيمة التي تريد تقديمها والقدرات التي تستند إليها والأنشطة التي يجب أن تتكامل حتى تصل إلى العميل أو المستفيد؟