Post by Hisham Elamin, Ph.D., MBA, MTS, MA

Sr. Associate @ KAPSARC | Ph.D. in Translation

محجوب عبيد طه، أنشتاين السوداني الذي حمل الفيزياء إلى مقام الحلم! ليست العقول العظيمة تلك التي تملأ الدنيا ضجيجًا، بل تلك التي تترك في صمتها أثرًا أطول من التصفيق. ومن بين الأسماء السودانية التي تستحق أن تُستعاد بوقار العلم لا بحماسة الأسطورة، يبرز اسم البروفيسور محجوب عبيد طه؛ عالم الفيزياء النظرية الذي عبر من مدينة القطينة إلى جامعة كامبريدج، ومن الخرطوم إلى برنستون وترييستي والرياض، حاملًا معه ما هو أثمن من الشهادات: عقلًا قادرًا على أن يجعل السودان حاضرًا في خرائط البحث العلمي العالمي. وُلد محجوب عبيد طه عام 1937، في زمنٍ كان طريق العلم فيه أشبه بسفرٍ طويل ضد العتمة. ومع ذلك، مضى الرجل كأن في داخله بوصلة لا تخطئ اتجاه المعرفة. درس الفيزياء، ثم نال الدكتوراه من جامعة كامبريدج، إحدى أعرق جامعات العالم، في زمنٍ لم يكن وصول باحث إفريقي أو عربي إلى ذلك المقام العلمي أمرًا عابرًا. لم يكن حضوره في كامبريدج مجرد مرور أكاديمي. فقد اختير زميلًا باحثًا في كلية داوننغ عام 1966، وتشير سجلات الكلية إلى أنه يُعتقد أنه كان أول زميل أسود يُنتخب في الكلية. وهذا وحده يكفي ليضعه في سجل الريادة، لا بوصفه عالمًا سودانيًا فحسب، بل بوصفه شاهدًا على قدرة العقل القادم من الهامش الجغرافي على اقتحام المركز العلمي بثقة وجدارة. ثم مضى إلى معهد الدراسات المتقدمة في برنستون، ذلك المكان الذي ارتبط اسمه بأسماء كبرى في تاريخ الفيزياء والرياضيات، قبل أن يرتبط اسمه أيضًا بالمركز الدولي للفيزياء النظرية في ترييستي، أحد أهم فضاءات الفيزياء النظرية في العالم. ومن هناك، عاد إلى جامعة الخرطوم، لا عودة المنسحب من العالم، بل عودة العالم الذي يعرف أن خدمة الوطن لا تقل مقامًا عن الإقامة في أرقى مختبرات الغرب. كان مجال اهتمامه الرئيس في فيزياء الجسيمات والفيزياء النظرية، وقد نُشرت له أبحاث في مجلات علمية مرموقة، منها Physical Review وNuovo Cimento وNuclear Physics، في موضوعات مثل سعات التبعثر، الجبر التياري، قواعد الجمع، النماذج الثنائية، وتفاعلات الهادرونات. هذه العناوين قد تبدو بعيدة عن القارئ العام، لكنها في لغة الفيزياء تنتمي إلى ذلك العالم الدقيق الذي يحاول فهم البنية العميقة للمادة، لا كما تراها العين، بل كما تكشفها المعادلة. والعالم الحقيقي لا تقاس قيمته بما يقال عنه في الحكايات، بل بما يتركه في المنشورات العلمية، وفي تلاميذه، وفي المؤسسات التي خدمها. وقد كان محجوب عبيد طه من هذا الطراز؛ أستاذًا في جامعة الخرطوم، وعميدًا لكلية العلوم، ثم أستاذًا بجامعة الملك سعود حتى وفاته. كان من ذلك الجيل الذي آمن بأن الجامعة ليست مبنى، بل ضميرٌ معرفي، وأن الأستاذ لا ينقل المعلومة فقط، بل يعلّم طلابه كيف يثقون بالعقل. ولعل أجمل ما في سيرته أنها لا تحتاج إلى مبالغات كي تبدو عظيمة. فالعظمة هنا في الطريق نفسه: شاب سوداني يخرج من القطينة، يبلغ كامبريدج، ينتخب زميلًا في داوننغ، يمر ببرنستون وترييستي، ثم يختار أن يدرّس ويؤسس ويمنح وقته للطلاب والبحث العلمي. تلك هي البطولة الأعمق: أن يستطيع الإنسان أن يكون عالميًا دون أن يفقد نبرة وطنه. في زمنٍ تُستهلك فيه أسماء العلماء أحيانًا في القصص المثيرة، نحن بحاجة إلى أن نعيد لمحجوب عبيد طه مقامه الأصدق: مقام العالم الرصين. لا نحتاج أن نجعله أسطورة كي نفتخر به، لأن سيرته الموثقة تكفي. ولا نحتاج أن نرفعه فوق التاريخ، لأن مكانه الحقيقي داخل التاريخ أكثر إشراقًا من أي حكاية متخيلة. لقد كان من أولئك الذين يعلّموننا أن السودان لم يكن أرض شعر وسياسة وحزن فقط، بل كان أيضًا أرض معادلات، ومختبرات، وأحلام علمية كبيرة. وأن الأمم لا تُقاس بما تملك من موارد فحسب، بل بما تنجب من عقول تعرف كيف تسأل الكون أسئلته الكبرى. رحم الله البروفيسور محجوب عبيد طه. العالم الذي لم يكن صوته عاليًا، لكن أثره ظل عميقًا. والرجل الذي قال لنا بسيرته إن الفيزياء ليست علم المادة وحدها، بل علم الإيمان بقدرة الإنسان على أن يضيء عتمته بالعقل.

Post content