Post by Abdullah Almulla

Internal Audit Team Leader | Civil Aviation | Governance, Risk & Compliance (GRCP) | Risk-Based Audit & Oversight

يمكن لأي جهة رقابية أن تطلب من الآخرين الشفافية والامتثال وإدارة المخاطر .. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تُطالب هي بالمعايير نفسها .. هذا الأسبوع نشر المحامي السويسري المتخصص في قانون الطيران Philippe Renz مقالًا انتقد فيه ما اعتبره مخالفة مستمرة من Federal Office of Civil Aviation Switzerland FOCA l للوائح الأوروبية المنظمة للرحلات المشتركة التكلفة محذراً من أن هذه الممارسة قد تعرض الطيارين لمخاطر قانونية وتأمينية قبل أن يربطها بإشكاليات أوسع تتعلق بـ #حوكمة الجهة الرقابية وآليات مساءلتها .. وبصرف النظر عن مدى صحة هذه الادعاءات أو ما ستنتهي إليه من نتائج قانونية فإن القضية تثير مسألة مؤسسية تتجاوز حدودها كيف تضمن الجهات الرقابية أن تخضع هي نفسها للمستوى ذاته من الحوكمة والمساءلة الذي تفرضه على الآخرين ؟ هذا التحدي لا يقتصر على سويسرا ولا على #قطاع_الطيران فالعديد من الجهات التنظيمية تجمع بين وضع المتطلبات التنظيمية والرقابة على الالتزام بها وهي مسؤولية تمنحها تأثيراً واسعاً .. لكنها في المقابل تجعل وجود آليات مستقلة لمراجعة أدائها ضرورة حوكمية لا خيارياً إدارياً .. وتشير التجارب المؤسسية إلى أن الخطر لا يبدأ دائماً من ضعف الأنظمة أو نقص اللوائح بل من افتراض غير معلن يتشكل تدريجياً داخل بعض الجهات الرقابية مفاده أنها ليست بحاجة إلى الخضوع للمستوى ذاته من الفحص الذي تطلبه من الجهات الخاضعة لرقابتها .. ومع مرور الوقت قد يتحول هذا الافتراض إلى ما يمكن وصفه بـ العمى المؤسسي حيث تتراجع قدرة المؤسسة على اكتشاف مواطن الضعف داخلها رغم كفاءتها في اكتشافها لدى الآخرين .. فالجهة الرقابية تبني مصداقيتها على قدرتها على مساءلة الآخرين لكنها تحافظ على تلك المصداقية عندما تقبل أن تكون هي أيضاً محل مساءلة مستقلة .. وفي النهاية لا يقاس نضج الحوكمة بعدد اللوائح التي تصدرها الجهة الرقابية بل بمدى استعدادها لإخضاع نفسها للمعايير ذاتها التي تلزم بها غيرها ..